أخر الاخبار

حول الربط الكهربي بين مصر و قبرص Electrical connection between Egypt and Cyprus

حول الربط الكهربي بين مصر و قبرص Electrical connection between Egypt and Cyprus

خلال الأسابيع القليلة الماضية ظهرت بعض الأخبار التي تتعلق بالربط الكهربي مع قبرص ، وأظن أن مناقشة هذا الأمر مهمة لأنها تؤثر على مستقبل البلد اقتصاديا وربما اجتماعيا.

وقبل مناقشة هذا الموضوع يجب أخذ بعض الأرقام الهامة في الاعتبار ، فعلى سبيل المثال وصل الحمل الأقصى هذا الصيف إلى حوالى 33 جيجا وكان المتاح حوالى 45 جيجا بينما القدرة المركبة تتجاوز 60 جيجاوات. وهذه أرقام مرعبة جدا!! فالفائض بالشبكة يصل الآن إلى نصف القدرة المركبة ، والأرقام تقول أن لدينا محطات (أو وحدات داخل محطات) بقدرات تصل إلى 15 جيجا (60-45) مغلقة بالضبة والمفتاح !! ولم تدخل الخدمة من أساسه حتى أثناء فصل الصيف ، ولك أن تتخيل بهذا المعدل كم جيجا سيتم فصلها في فصل الشتاء القادم ، وكل هذا يعنى أموالا مهدرة !!

هذه المقدمة تؤكد على أننا بحاجة للاستفادة من فائض الكهربا المتاح حاليا ، وهذا لا يتم إلا بطريقتين :
 
الأولى بالتوسع الصناعى وهذا يحتاج رؤية سياسية جديدة ومختلفة عن الرؤية الحالية ، بمعنى آخر نحتاج إلى عزيز صدقى جديد !!، وبالمناسبة فقد خطر على بالى سؤال أثناء كتابة هذا المنشور وهو : ما اسم وزير الصناعة الآن في مصر؟ وللأسف لم أعرف اسمه وأنا أستاذ جامعى ، وأظن السبب واضح للأسف فليس له أي نشاط يجعلنا نذكره ونعرف اسمه!!
 
ومن الأرقام المهمة التي ظهرت حديثا أن نمو استهلاك الطاقة في مصرهذا العام صار بالسالب ، بمعنى أننا في مصر انخفض استهلاكنا للطاقة عن العام الماضى ، وهذا في جزء منه يعود لان الناس – وأنا شخصيا منهم – أصبحنا نرشد مجبرين فى استخدام أجهزة التكييف بسبب فواتير الكهرباء فلا نستخدمها إلا في ساعات قليلة ، ونعتمد على المراوح ، لكن هناك جانب آخر مرعب في هذا الموضوع وهو أن هذا النمو بالسالب يعنى بالتأكيد وجود تباطؤ للاقتصاد ، وكانت كرونا أحد اسباب هذا التباطؤ ، إضافة إلى وجود مشاكل تواجه قطاع الصناعة منها بالتأكيد أسعار الكهرباء والطاقة عموما

أما الطريقة الثانية للاستفادة من الفائض فهي تصدير هذا الفائض من خلال الربط مع الدول المجاورة، وقد بدأت الحكومة بالفعل إجراءات عملية للربط مع السعودية وكذلك الربط مع قبرص . والسؤال التالى هو: ما هي صعوبات الربط مع هذه الدول ؟ وسأكتفى هنا بالحديث عن الربط مع قبرص لخطورة هذا القرار.

بداية لا احد يجادل فى اهمية الربط الكهربي بين الدول وفوائده ، لكن بالنسبة لقبرص فالتكلفة هائلة ، حيث نحتاج لكابل جهد عالى بحرى بطول 300 كم تقريبا ، وبالطبع من المستحيل أن يتم هذا الربط إلا باستخدام HVDC ، وهذا يعنى ضرورة وجود inverters and rectifiers بقدرات هائلة على طرفى خط الربط وما يعنيه هذا من مشاكل التوافقيات ومشاكل الــ stability ، ومشاكل تنسيق أجهزة الوقاية على الجانبين ، ومشاكل ارتفاع قيمة تيار القصر وإن كان هذا يكون محدودا بسبب الربط من خلال الــ HVDC ، لكن بالتأكيد نحتاج لدراسات كثيرة عميقة لا يمكن أن تكون قد تمت في خلال الشهور القليلة الماضية قبل الوصول لهذا الاتفاق.

وهنا سؤال آخر : هل أوربا بحاجة لهذا الربط مع مصر ؟ أظن نعم ، والسبب غالبا بيئي بالدرجة الأولى ، فأوربا تريد أن تعيش في بيئة نظيفة ، ومن ثم لن تسمح مثلا ببناء مصانع أسمنت أو محطات كهربية ملوثة للبيئة لديهم ، وإنما من الممكن أن يمولوا بناء مصانع الأسمنت لدينا ليجعلوا من مصر المنتج الأول للأسمنت في العالم!!! ونحقق نحن بالتالى رقما قياسيا جديدا (فى التلوث) !!! وأظن أن المحطات الكهربية التقليدية مثل ذلك ، فلا مشكلة لديهم في تمويل بناءها عندنا ، طالما أنهم سيأخذون منا طاقة نظيفة عبر الأسلاك!!

أرى أن مصر أمامها بديل أفضل بكثير من أوربا ، وهو تعزيز الربط الموجود مع لبييا والسودان ولبنان ، فليبيا تقترب من عمل انتخابات خلال شهرين ، وإن شاء الله يا رب تستقر الأمور عندهم ، ووقتها ستحدث نهضة كبيرة في ليبيا وسيحتاجون في البداية لاستيراد طاقة كهربية كبيرة، ونحن الجار الأقرب لهم ، وبالمثل فالسودان تحتاج أكثر بكثير من قدرة خط الربط الهزيل الذى تم تدشينه بين البلدين ، ولو تأخرنا فستشترى السودان الطاقة من أثيوبيا بعد تشغيل سد النهضة ،
 
أما لبنان فالكهرباء تقطع عندهم عدة ساعات يوميا ، ولو تم تفعيل الربط بين سوريا ولبنان ، وبين الأردن ولبنان فيمكن تصدير الفائض لدينا إلى لبنان عبر هذين البلدين (سوريا والأردن) ، وهو ربط برى هوائى قليل التكلفة وقليل الفقد ، وتكلفة تطويره لا تقارن بتكلفة كابل جهد عالى طوله 300 كم يمدد في البحر المتوسط على عمق مئات الأمتار تحت الماء!!! ولا ننسى غزة ، فهى سوق واعد لاستهلاك الطاقة ، ويمكنها استيراد ضعف الطاقة التي تصل إليهم منا حاليا ، فلماذا نذهب لقبرص ولدينا كل هذه الفرص وفقط تحتاج تعزيز وتطوير فمصر كانت سباقة اصلا فى هذا المجال!!!

هذا المشروع يحتاج لدراسة عميقة ولا يجب أن يخضع للمناكفات السياسية بين الدول ، وللأسف نحن نناقش هنا عبر منصات التواصل وحجم المعلومات المتاحة لنا ضئيل للغاية ، ولو طرح مشروع بهذا الحجم في أمريكا مثلا بنفس طريقة طرحه وتوقيعه في مصر ، لتم عمل جلسات استماع داخل الكونجرس على أعلى مستوى لكل مسئولي الكهرباء وغيرهم، ووجهوا لهم اللوم ، لأنهم أخذ قرارا مثل هذا دون الرجوع لممثلى الشعب ، ودون عرض الحقائق العلمية كاملة.

وسؤال أخير : كم تتوقع أن يكون سعر البيع لأوروبا؟ وهنا النقطة المفصلية التي ربما غفل عنها من اتخذ قرار الربط مع قبرص، فسعر بيع الكهرباء للمواطن المصري تقريبا وصل إلى السعر العالمى لانتاج الكيلووات!! ويفترض حين تبيعه لأوربا أن نضيف علي هذا السعر تكلفة الفقد loss في خط الربط ، ثم تحمل عليه تكلفة انشاء كابل الربط بطول 300 كم ، وتكلفة محطات التحويل إلخ ، ثم نضيف إلى سعر الكيلووات هامش ربح لأننا بالتأكيد لن نبيع لفرنسا وألمانيا وبقية أوربا لوجه الله بدون مكسب ، فإذا أخذنا كل هذا في الاعتبار فربما يصل سعر الكيلو إلى مرة ونصف أو مرتين السعر المصري الحالي ، ومن ثم لن تجد أحد يشترى منك بعد كل هذه الاضافات!!!
 
أو البديل أن نبيع لهم بسعر أقل من سعر البيع للمواطن المصري لنتخلص من الفائض، وهنا سيقول المواطنون البسطاء للجكومة : هب أن أبانا كان حمارا(هذه عبارة ماثورة قيلت لسيدنا عمر بن الخطاب ، وانظر معناها فى التعليقات) ، ومعناها : اعتبرونا بدون أب مصري ، وبيعوا لنا بسعر البيع للأوربيين!!! وأظن الدولة وقتها ستقع في ورطة!!
د/جيلاني

مقالات ذات صلة